الخميس، 8 مايو 2014

نظام القضاء المصري يخرج عن السيطرة

 


تسلطت الأضواء، في الأسابيع الأخيرة، على نظام العدالة الجنائية في مصر، بعد أن أقرت إحدى المحاكم إنزال أكبر عدد من أحكام الإعدام في الذاكرة الحديثة. لكن هذا لم يكن من فعل قاض مارق، كما ألمح البعض. فبدلاً من ذلك فكانت الأحكام هي الأحدث في سلسلة من الحالات التي تشير إلى نظام قضائي ينفلت من عقاله دون أن يجد من يوقفه.

ففي غضون أشهر قليلة، أنهت المحاكم استعداداتها للحكم على مئات من الأشخاص بالإعدام، وقضت بسجن ناشطين قياديين، ومتظاهرين، بمن فيهم شابات، لا لشيء إلا لاحتجاجهم بصورة سلمية، وحاكمت صحفيين لمجرد قيامهم بعملهم.

وانهالت المحاكم بمطرقتها أيضاً على مؤسسات المجتمع المدني المستقلة. وففي الأسبوع الماضي، أصدرت إحدى المحاكم حكماً يحظر من الناحية الفعلية أنشطة “حركة شباب 6 إبريل”، تلك المجموعة من الناشطين التي قادت احتجاجات جماهيرية أسقطت حكومة الرئيس المخلوع، حسني مبارك، في يناير/كانون الثاني 2011.وقد تكون جماعات حقوق الإنسان في مصر التالية على خط النار، إذا ما استذكرنا محاكمات المنظمات غير الحكومية العام الماضي، التي لا تزال حية في أذهان العديد من النشطاء.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن المدعين العامين للدولة المصرية قد تحللوا من عناء البحث عن أية ذريعة لإقامة المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكات حقوق الإنسان. وعوضاً عن ذلك، وجّهوا أصابع الاتهام إلى أي شخص يشتبه في أنه يدعم، عن قريب أو بعيد، الرئيس المعزول محمد مرسي.

إن الآلاف يقبعون الآن في السجون، وأغلبهم قد اعتقل ضمن سلسلة عمليات نسخ ولصق لاتهامات تتراوح بين القتل و”المشاركة في مظاهرة غير مصرح بها”، أو عرقلة حركة المرور، أو الانتماء إلى جماعة “الإخوان المسلمين”، المحظورة الآن.

ورسالة السلطة القضائية واضحة: لا تتحدوا السلطات.ومع ذلك، فقد كان النظام القضائي في مصر، ولسنوات، إحدى المؤسسات النادرة التي كانت على استعداد للوقوف في وجه السلطات. وكثيرون ما زالوا يتحدثون عن القضاة الذين قاوموا المحاولات المتكررة لإدارة حسني مبارك لتقويض استقلالهم، والذين قاموا بإغلاق المحاكم، في ديسمبر/كانون الأول 2012، بعدما أصدر محمد مرسي إعلانات دستورية منح نفسه بموجبها صلاحيات لا حدود لها.

صحيح أن السلطات مازالت تقول إن المحاكم لا تزال مستقلة. ولكن الحقيقة التي لا تقبل الكثير من الجدل هي أن ثمة سلسلة من الأحكام التعسفية ونمطاً من العدالة الانتقائية قد مرغت سمعة محاكم مصر، التي اكتسبتها بشق الأنفس، في الطين.

وفي غضون ذلك، وبينما انشغل القضاء بتعقب معارضي الحكومة، فإنه قد غض الطرف، على مايبدو، عن انتهاكات قوات الأمن الجسيمة لحقوق الإنسان، وتجاهل الهجمات التي تعرض لها المسيحيون الأقباط والاعتداءات الجنسية على المتظاهرات.

بينما سجنت المحاكم حفنة، لا أكثر، من رجال الشرطة المسؤولين عن الانتهاكات، رغم وفاة مئات الأشخاص في الاحتجاجات واستمرار العنف السياسي، وإساءة معاملة المعتقلين.

إن السلطة القضائية، بمنحها قوات الأمين تصريح مرور إل حيث تشاء، قد فتحت الطريق أمام انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق لم يسبق له مثيل. وعندما فككت قوات الأمن مخيم الاحتجاج في رابعة العدوية، في أغسطس/آب الماضي، بوحشية، فقد فعلت ذلك وهي تعلم بأن أحداً لن يسائلها.

وتمت العملية في وضح النهار، وراح ضحيتها مئات القتلى وسال الدم وأطلق الرصاص في الشوارع. وحتى الآن، مرت ثمانية أشهر، ولم تتم محاسبة، وبشكل صحيح، أي منتسب لقوات الأمن على أعمال القتل هذه. وعوضاً عن ذلك، يبدو أن السلطة القضائية عازمة على أن تكمل في المحاكم المهمة التي بدأتها الشرطة في الشوارع – وهي محو أي شكل من أشكال المعارضة، بدءاً بجماعة الإخوان المسلمين ومؤيديهم، وانتهاء بالنشطاء العلمانيين، مرة واحدة وإلى الأبد، بغض النظر عن التكاليف المترتبة على ذلك، أو على حقوق الإنسان، أو حتى على سمعتها هي نفسها. ومرة تلو المرة، أخبرتنا أسر أولئك الذين قتلوا في خضم الاحتجاجات والعنف السياسي بمدى ما تشعر به من يأس، أكثر من أي وقت مضى، في أن ترى العدالة تتحقق لأحبائهم.

بينما يعبِّر اولئك الذين يواجهون محاكمات فادحة الجور، عن القدر نفسه من التشاؤم.

إحدى القريبات لمن يحاكمون قالت لمنظمة العفو الدولية خارج قاعة المحكمة: “لم تعد هناك عدالة في هذا البلد. ولم يعد لنا رجاء بأحد غير الله”.

وبدورها، سارعت الولايات المتحدة، ومعها الاتحاد الأوروبي، إلى إدانة هذه التطورات الأخيرة، كما فعلت قبل ذلك مرات عديدة.بيد أن مثل هذه الاحتجاجات ما عادت تبدو أكثر من مجرد دموع تماسيح. ومن غير الجائز للسلطات الأمريكية أن تدين استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين من ناحية، بينما تستعد بشغف لاستئناف إرسال المعونة العسكرية الجزئية إلى السلطات المصرية من ناحية أخرى، بعد أن وافقت على تسليمها مروحيات الأباتشي.

لقد حان الوقت لوقف إرسال الرسالة المزدوجة والكيل بمكيالين. أما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت فقد دعمت حملة تكميم الأفواه ضد المعارضة علانية. كما آن الأوان لهيئة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الاضطلاع بدورها القيادي. وإذا كانت السلطات في مصر غير قادرة على إظهار الحقيقة وإحقاق العدالة، فينبغي على “مجلس حقوق الإنسان” استطلاع آليات أخرى لتحقيق المساءلة.

وفي نهاية المطاف، وعلى الرغم من ذلك، فإذا أرادت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يبقيا ذات صلة بالأمر، أن يضعا استراتيجية متماسكة لمعالجة أزمة حقوق الإنسان في مصر، والتخلي عن العروض غير الفعالة التي رأيناها حتى الآن.

الأربعاء، 28 أغسطس 2013

هل تستطيع الأمم المتحدة جعل سري لنكا “تكشف الحقيقة”؟

 


واصل الناشطون نضالهم بلا كلل من أجل إبقاء أزمة حقوق الإنسان في سري لانكا على جدول الأعمال الدولي. ويمكن أن تكون شجاعتهم وإصرارهم قد أوشكا، في نهاية المطاف، على تحقيق الغرض.

بقلم مارك جونسن من فريق منظمةحقوق الدولية المعني 

ساد شعور بالتوتر، في الآونة الأخيرة، بين الأشخاص الذين عانوا من انتهاكات حقوق الإنسان في سري لانكا. وانشغلوا كثيراً بالتحضيرات للزيارة الأولى التي تقوم بها للبلاد المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، نافي بيلاي، وبدأت في 25 

فهذه هي الزيارة الرسمية الأولى التي تقوم بها المفوضة السامية لسري لانكا، منذ اندلاع النزاع المسلح بين القوات الحكومية وجماعة “نمور التاميل” المسلحة ذات التوجهات الانفصالية، والتي وضعت أوزارها في 2009. وقد عمل الناشطون بجد من أجل الوصول إلى هذه النقطة، في ظروف بالغة الصعوبة.

أحد المحامين الذين تحدثت إليهم وصف الحالة الراهنة في سري لانكا بأنها “مناخ من القمع”. فالناشطون البارزون يلاحقون ويستدعون للتحقيق. والضحايا يخشون مواجهة العقاب إذا ما تحدثوا بصراحة. وليسوا متأكدين بشأن أفضل السبل لإيصال قصصهم إلى نيفي بيلاي والحفاظ على سلامتهم في الوقت نفسه.

كشفالحقيقة

بينما تلتقي نافي بيلاي مع مسؤولين حكوميين وقضاة، ومع “اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان”، يقول الناشطون إنهم سيواصلون كشف الحقيقة التي تحرص الحكومة على إخفائها: انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة النطاق التي ارتكبت أثناء وعقب الحرب الأهلية الدموية في سري لانكا.

حيث قتل عشرات الآلاف من الأشخاص وعذبوا واختفوا أثناء الحرب الأهلية، التي استمرت من 1983 حتى 2009.

في يونيو/حزيران، قمنا بإطلاق حملة “إكشفوا الحقيقة“، التي دعونا فيها سري لانكا إلى جلاء سجلها المريع من التعذيب والقتل وغيرهما من انتهاكات حقوق الإنسان- وإلى وقف كل ذلك. فمع أن الحرب الأهلية قد انتهت، إلا أن انتقاد الحكومة ما زال يعرض حياتك للخطر.

الحربانتهت ولكن الأزمة ما زالت على حالها

لقد كانت رحلة طويلة وقاسية حتى وصلنا إلى هذه النقطة.

ففي الأشهر الأخيرة من النزاع في 2009، ارتفعت أعداد الإصابات في صفوف المدنيين بصورة صاروخية. وناشدت منظمة العفو الدولية الأمم المتحدة بأن تباشر تحقيقاً في مزاعم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ومع ذلك، وافقت 29 دولة عضواً في الأمم المتحدة، في مايو/أيار من تلك السنة، على قرار لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة صاغته الحكومة السري لنكية كي تهنئ نفسها على كسب الحرب.

ولم يتردد مسؤول سري لنكي في أن يصف منظمة حقوق الدولية بأنها من “الكذابين والمدافعين عن الإرهاب”. وفي الوقت نفسه، كانت الحكومة تشن حملات قمعية ضد الأشخاص الذين يدافعون عن حقوق الإنسان داخل البلاد.

غير أننا واصلنا عملنا مع ناشطي حقوق الإنسان السري لنكيين، ومع عائلات الضحايا. فسافر هؤلاء إلى المجلس لتقديم شهاداتهم على المسرح الدولي. ومعاً، قمنا بتسليط الضوء على حالات التعذيب وعلى الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي.

وعملنا بدأب كي نبيِّن بأنه على الرغم من انتهاء الحرب رسمياً، إلا أن أزمة حقوق الإنسان في البلاد ما زالت مستمرة.

حملاتلا تعرف الكلل

واصل العديد من السري لنكيين، بمن فيهم الدكتور مانوهاران، الذي قتل ابنه في 2006، وسانديا إيكاناليغودا، التي اختفى زوجها في 2010، حملاتهم دون كلل من خلال الأمم المتحدة التماساً للعدالة.


الجمعة، 14 يونيو 2013

هل تقوم بلدانكم بتبادل بياناتكم مع الولايات المتحدة؟

 



وبوصفه محللاً سابقاً في وكالة الأمن القومي الأمريكية، أظهر سنودن للعالم كيف تقوم وكالات الاستخبارات بالتعاون فيما بينها للتجسس على رسائل بريدنا الإلكتروني وعمليات البحث التي نقوم بها عبر الإنترنت واتصالاتنا والكثير من الأمور الأخرى.  ولكن يظل كل ذلك مجرد غيض من فيض.


فلقد كشفت الوثائق التي سربها سنودن كيف تقوم الحكومات عن طيب خاطر بتبادل بياناتنا الشخصية مع الولايات المتحدة.  واكتشفنا أن وكالة الأمن القومي تمتلك أحلافا سرية تتيح لها تبادل المعلومات الاستخبارية مع 41 بلداً على الأقل.


وتظل هذه الترتيبات الخاصة محجوبة عن الأنظار تقريباً وتتعدى على خصوصية مئات الملايين من الأشخاص.  اطلعوا على الخارطة أدناه كي تعرفوا إذا كانت حكومات بلدانكم تتبادل البيانات مع الولايات المتحدة أم لا.


هل نريد أن نحيا في مجتمع نكون فيه عراة بالكامل أمام الحكومة فيما تظل هي محجوبة عن أنظارنا بشكل كامل؟


هل يقوم بلدكم بتبادل المعلومات الاستخبارية مع الولايات المتحدة وحلفائها؟

تحالف “الأعين الخمس” على مدار 70 عاماً، شكلت المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا وأستراليا شبكة استخبارية عالمية متكاملة حرصت بشكل تلقائي على تبادل محتويات ما تتنصت عليه من اتصالات فيما بين أجهزتها الاستخبارية. ائتلاف “سيغينت سينيورز (تبادل الإشارات الاستخبارية الأجنبية)” على مدار 33 عاماً، حرص أعضاء تحالف الأعين الخمس على التعاون مع هذا النادي الأوروبي الذي يضم أجهزة استخبارية وزودت أعضاءه بالتكنولوجيا اللازمة للولوج إلى شبكاتها وتبادل فحوى الاتصالات التي يتم اعتراضها والتنصت عليها. ائتلاف “سيغينت سينيورز”في منطقة آسيا والباسيفيكي يقوم تحالف الأعين الخمس بتوفير التكنولوجيا والمساعدات لمختلف أجهزة هذه المنطقة.  وثمة احتمال بأنها تتبادل فيما بينها محتويات الاتصالات التي يتم التنصت عليها، ولكن يظل الاتفاق الناظم لهذه العلاقة محاطاً بغلاف من السرية علاقة التحالف مع فرادى البلدان  لا يُعرف الكثير عن حجم ونطاق الروابط القائمة بين أجهزة استخبارات تحالف الأعين الخمس ونظيراتها في البلدان الأخرى غير الأعضاء الائتلاف آنف الذكر، ولكن يشير وجود مثل هذه العلاقات إلى تعاون في مجال التنصت على الاتصالات وتبادل محتوياتها. علاقة التحالف مع أجهزة الاستخبارات باقي أنحاء العالم لا تتوفر معلومات عن وجود علاقات وروابط واضحة بين تحالف الأعين الخمس وأجهزة الاستخبارات في باقي أنحاء العالم


الأربعاء، 22 مايو 2013

هل فقدت الدول حماسها إزاء سخونة مناقشة معاهدة تجارة الأسلحة؟

 


بقلم ماري لكساس، المديرة المسؤولة لبرنامج القانون الدولي والسياسات في منظمة العفو الدولية

مع اقتراب نهاية الأسبوع الأول للمفاوضات بشأن معاهدة تجارة الأسلحة المنعقدة في الأمم المتحدة، بنيويورك، ثمة انجماد في جو المدينة لا يمكن أن يعزى فحسب لطقسها العاصف المثقل بالثلوج.

فعلى ما يبدو، بمجرد أن تتاح للدول فرصة حقيقية لان تحدث فارقاً في حياة البشر- بصياغة معاهدة يمكن أن تنقذ الأرواح وتخفف المعاناة، وتتبناها- تشعر بثقل شديد في قدميها.

كما إن مجلس الأمن الدولي، ومنذ نشأته، كان يملك سلطة فرض حظر على تصدير الأسلحة يفترض أن يؤدي- من الناحية النظرية- إلى وقف تدفق الأسلحة على الدول التي تنتهك القانون الإنساني الدولي بصورة منهجية.

ولكن، وكما نعرف، عادة ما تأتي قرارات الحظر- إذا ما فرضت- متأخرة للغاية في معظم الأحيان. ونحن في منظمة حقوق الدولية نسمي هذا أسلوب “حقيبة الجثث” في مقاربة أمر الرقابة على الأسلحة. أي انتظر حتى يقتل ما يكفي من المدنيين، ثم قرر وقف شحن الأسلحة لمن يستهدفون المدنيين.

إن أمام الدول التي تجتمع هنا فرصة لأن تتجاوز أسلوب “حقيبة الجثث” هذا. وبمقدورها أن تتبنى معاهدة تحدد الحالات التي تستخدم فيها الأسلحة لارتكاب أعمال عدائية، أو تحوَّل فيها وجهة الأسلحة كي تصل إلى يدي مستخدم يفتقر إلى المشروعية، وأن تحظر نقل هذا الأسلحة في الوقت المناسب.

ومن هنا، فإننا نقترح معيارين منفصلين لتقييم ما إذا كان ينبغي لأية حكومة نقل الأسلحة والذخائر وما يتصل بها من تقانة إلى دولة أخرى. وأولهما، في حال معرفة هذه الحكومة بأن الأسلحة سوف تستخدم في ارتكاب الانتهاكات، فينبغي عليها حظر إتمام مثل هذه الصفقة. وثانيهما، إذا ما قررت الحكومة بأن هناك احتمالاً لا يمكن تجاهله بأن هذه الأسلحة سوف تستخدم لارتكاب الانتهاكات، وفي مثل هذه الحالة، ينبغي أيضاً عدم المضي في عملية النقل.

وهذا لا يدخل في عداد علم الصواريخ.

ولكن ثمة دولاً مشاركة في المفاوضات ترغب في أن تبقى قرارات الحظر في أضيق نطاق ممكن. فمثلاً تحاجج بعض هذه الدول بأنه ينبغي على الدولة حظر عملية النقل إذا ما كانت معنية بأن لا تستخدم هذه الأسلحة في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، أو جرائم ضد الإنسانية، أو عدد محدود من جرائم الحرب.

وبعبارة أخرى، ليس ثمة مشكلة، بالنسبة لهذه الدول، في أن تصل هذه الأسلحة إلى أيدي الجناة، إذا ما عرفت بأن الأسلحة سوف تستخدم لارتكاب بعض جرائم الحرب أو انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

وبذا يصبح السؤال: كم من المدنيين يجب أن يقتل قبل أن تتوقف عن تزويد شخص أظهر لك سلفاً ازدراءه للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان؟ وأية جرائم حرب “خطيرة بما يكفي”؟ فأحد الاقتراحات التي يسربها البعض يمكن قراءاتها على نحو يستثني من الحظر جرائم الحرب المتعلقة بالعنف الجنسي.

كنا نعلم عندما وصلنا إلى نيويورك بأن ثمة دولاً معنية بحماية سلطتها الاقتصادية والسياسية التي تمارسها كدول مزودة بالسلاح. وكنا نعلم أيضاً أنه ينبغي صياغة المعاهدة على نحو يكفل لجميع الدول التي تبيع السلاح أن تلعب في ملعب خال من النتوءات ومتكافئ. فليس ثمة حكومة ترغب في أن تفعل الأمر الصحيح وتوقف عمليات نقل الأسلحة إلى حكومة تسيء استعمالها لترى حكومة أخرى تدخل على الخط وتسلبها صفقة أسلحتها.

ولكن لا يمكن استخدام المصلحة الاقتصادية والسياسية لتبرير إرسال الأسلحة إلى بلد تعرف أن حكومته وقواته الأمنية سوف تستخدمها لارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

ومجدداً، الأمر لا يتعلق بعلم الصواريخ. ويتعين على الدول التوقف عن عد النقود، والبدء في عد الأرواح التي يمكن إنقاذها. ومن غير الجائز أن يأتي الربيع متأخراً هذه السنة.

الأحد، 12 مايو 2013

يحدوني الأمل في أن أُولد من جديد بعيداً عن هذا المكان

 

الناشط السوري بسام أحمد الأحمد يتذكر الوقت الذي قضاه معتقلاً مع صديقه الدكتور أيهم مصطفى غزول، الذي أُبلغت عائلته مؤخراً بوفاته في حجز قوات الأمن السورية في نوفمبر/تشرين الثاني. وكان الرجلان من بين 14 شخصاً اعتُقلوا في مداهمة للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير في 16 فبراير/شباط 2012.

ماذا عسى أن أقول عن أيهم أكثر من أنه كان إنساناً قبل كل شيء؟

ولعل أشد ما أثار إعجابي به هو أنه كان مضحياً بالنفس، وكان يؤمن من أعماقه بأن كل شخص يجب أن يمنح أغلى ما لديه لهذه الثورة – عمله، أو دراسته، أو حتى أحباءه أو أفراد عائلته.

كان إنساناً مسالماً يقول باستمرار: لا تحملْ سلاحاً، بل إذهب إلى التظاهر السلمي، وإذا متَّ، فإنك ستموت شهيداً.”

عندما قبضوا علينا في فبراير/شباط الماضي وأحضرونا إلى المخابرات الجوية، كنا جميعاً نخشى النـزول من الحافلة.

نادوا على مازن درويش، مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير.

وبعد نزوله طلبوا من شخص آخر أن ينـزل، فتطوَّع أيهم. صُدمت وتساءلتُ في نفسي: “كيف يكون ذلك ممكناً؟ كيف؟ ألا يخاف هذا الرجل من شيء؟”

كان مرحاً أثناء فترة السجن، يأتي إلينا دائماً ويخفف من همومنا. لقد لعب دور الطبيب الذي يرعانا ويهتم بشؤوننا ويشخِّص أمراضنا ويرشدنا إلى بكيفية التعامل معها.

كان طبيب مركز الاعتقال في الفرع الرابع غبياً، ولذا كان يعطي أيهم دواء كي يعطيه لمرضى القلب بانتظام.

وتعرَّض أيهم إلى أقسى أشكال إساءة المعاملة والضرب في الفرع الرابع، لماذا؟

أولاً، لأنه كان طبيباً، وكانوا يكرهون رؤية أحد أكثر معرفةً منهم. وثانياً، لأنه كان من دير عطية، فكان الرجل الذي يتولى ضربنا يقول: “دير عطية أجمل منطقة في سورية، فلماذا يحتجون؟” وكان أيهم يرد عليه قائلاً: “ولكن تهمتي ليست الاحتجاج”، فيعود الرجل لضربنا.

وكان أيهم يناكفنا بالقول إن زميلينا المعتقليْن هاني [الزياتي] ومنصور [العمري] سيغادران قبلي، وسأظل في الحجز لمدة خمسة أشهر أخرى، وسأصرخ أكثر.

بعد مرور 33 يوماً على حبسنا في الفرع الرابع و33 يوماً أخرى على احتجازنا في مركز الاعتقال التابع للمخابرات الجوية، جاء المساعد ونادى على أيهم مصطفى غزول. ومع أنني كنت متعباً للغاية عندما سمعت اسم أيهم، فقد رنَّ في أذني وأمدَّني بالأمل في أن أُولد من جديد بعيداً عن هذا المكان.

ثم نادوا على معتقل آخر، وهو جوان فرسو. فبدأت فوراً بحزم ملابسي، لأن الله أرسل إلى روحي علامة تقول: يا بسام سينادون عليك بعده.

وقد فعلوا بالتأكيد.

ولذلك، عندما نادوا على اسم صديقي أيهم مصطفى غزول، جعلني ذلك أشعر بأنني أُولد من جديد، وأعطاني إحساساً بأنني ذاهب نحو حياة جديدة.

بعد إطلاق سراح أيهم مصطفى غزول أعيد اعتقاله وتوفي في السجن.

الأربعاء، 8 مايو 2013

ما عاد بوسع الحكومات التهرب من مسؤوليتها القاضية بحماية حقوق الإنسان كافة

 


لفكرة جدُّ بسيطة: يُولد جميع الناس أحراراً، وهم متساوون في الكرامة والحقوق.  وما من استثناءات البتة على هذا الصعيد.  ولكن، وبعد مضي 65 عاماً على ولادة حركة حقوق الإنسان في العصر الحديث من رماد الحرب العالمية الثانية، أصبح يُنظر إلى بعض الحقوق على أنها أكثر أهمية وحيوية من غيرها.

فلقد أُعطيت الأولوية للحقوق المدنية والسياسية على حساب نظيراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  ولقد تجاهلت الحكومات الالتزامات المترتبة عليها في مجال نشر الحق في الحصول على التعليم والصحة والإسكان الغذاء والأجور المعيشية.

ولطالما ذهبت الوعود العديدة المتعلقة بتوفير مساعدات خارجية أدراج الرياح.  وتدفع حكومات الدول بحجة نقص الموارد كسبب تسوقه لتبرير عدم الوفاء بتلك الوعود، وتزعم أنها غير مسؤولة.  وبذلك، فلقد سمحت بأن تُلقى مسؤولية مساعدة الذين يرزحون تحت وطأة الفقر على عاتق المؤسسات الخيرية، فيما مضت تلك الحكومات في طريقها نحو الاستثمار في المساعدات العسكرية.

وفي الفقر، فلا يوجد ما يمكن الزعم بحتمية الأمور وأنه لا مفر منها، ولا يقتصر تباين مستويات الدخل وتفاوتها على مجرد أرقام بحتة.  بل إن ذلك نتاج للقوانين والسياسات والممارسات التي تنتهجها الحكومات؛ وهي بالتالي مؤشر لمدى التزام الدولة من عدمه بنشر المساواة.  وأما الجهات التي ترفض مبدأ المساواة، فإنها تقوم بذلك مع علمها بأنها تجعل حياة الأفراد عرضة للخطر.

وثمة أعداد كبيرة من الناس في هذا العالم ممن يُحرمون من حقهم في الحصول على السكن الملائم والماء والطعام والصرف الصحي والصحة والعمل والتعليم جراء غياب الإرادة السياسية، وليس غياب الموارد.  وتقضي امرأة أو فتاة واحدة نحبها كل 90 ثانية جراء مضاعفات الحمل – وهي مضاعفات يمكن معالجتها بالمناسبة.  ويتسبب غياب الاستثمار في خدمات الرعاية الصحية، وتجذر التوجهات والمواقف التمييزية ضد المرأة في وفاة عدد لا يُحصى من النساء – وهن اللواتي كان بالإمكان إنقاذ أرواحهن.

وينتقل آلاف الأشخاص يومياً للعيش في العشوائيات لانعدام الخيارات الأخرى أمامهم.  وفي بعض الحالات، فلقد أُخلي هؤلاء من أراضيهم قسراً.  وفي حالات أخرى، أدى تقاعس الحكومة عن التصدي للتدهور البيئي في مناطقهم إلى اضطرارهم للرحيل عنها للبقاء على قيد الحياة.  ومع الاتجاهات العامة الحالية، فمن المتوقع أن يصل عدد سكان العشوائيات إلى مليار وأربعمائة مليون نسمة بحلول العام 2020.

ويستحيل على الفقراء من الناس أن يحظوا بمعاملة على قدر من المساواة مع غيرهم أمام القانون، كما يصعب على المرضى المحرومين من إمكانية النفاذ إلى خدمات الرعاية الصحية والحصول عليها المشاركة بشكل نشط في المجتمع.  ومع ذلك، وعلى الرغم مما يعانونه من إهمال، تظل حقوقهم مكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وهو صك صادر عن الأمم المتحدة صادقت عليه أكثر من 160 دولة، ويتمتع بذات الصفة التي تتمتع بها صكوك القانون الدولي المعنية بحقوق الإنسان الأخرى – من قبيل الحق في الحصول على محاكمة عادلة، والحق في حرية الكلام والرأي.

وبوسع منظمة حقوق الدولية الإشارة إلى أمثلة عديدة تقوم الحكومات فيها بمخالفة صكوك القانون الدولي التي تحمي هذه الحقوق، وذلك من قبيل ما حصل في نيجيريا، حيث قررت السلطات المحلية في مدينة بورت هاركورت بتاريخ 28 أغسطس 2009 تجاهل الأمر الصادر عن المحكمة، وبادرت إلى إزالة إحدى المستوطنات المقامة على واجهة مائية، ليجد أكثر من 13000 شخصاً أنفسهم مشردين؛ ولعلنا نجد مثالاً آخر في سلوفينيا حيث تقطن العديد من عائلات طائفة الروما في مستوطنات عشوائية، ويُحرمون من الحصول على خدمات المياه والصرف الصحي.  وقائمة الانتهاكات هذه تطول متنوعةً ما بين عزل أطفال الطائفة عن أقرانهم في المدارس الأوروبية، وعدم حصول النساء على خدمات الصحة الإنجابية في إفريقيا والأمريكيتين.

ويُعد النفاذ إلى نظام العدالة والحصول على تعويض فعال أمران جوهريان بالنسبة لضحايا جميع انتهاكات حقوق الإنسان؛ وثمة أمل جديد يلوح في الأفق لضحايا تلك الانتهاكات.  ففي الخامس من مايو، دخل البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيز التنفيذ.

فلقد قبلت عشرة بلدان – من الإكوادور والأرجنتين، إلى إسبانيا والبرتغال – الآلية الجديدة، وهو ما يجعل من الممكن للأفراد والجماعات السعي وراء تحقيق العدالة من خلال الأمم المتحدة في حال تعرض حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للانتهاك، وفي حال لم تكن التعويضات الفعالة متاحة في بلدانهم.

وبعد مضي ما يقرب من 40 عاماً على دخول البروتوكول الاختياري المشابه الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيز التنفيذ، فلقد تمكنّا أخيراً من تحقيق المساواة بين الصكين الدوليين، ونجحنا في إضفاء معنىً حقيقي على مبدأ عدم قابلية جميع الحقوق للتجزئة وترابطها مع بعضها البعض، وذلك كما نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عليه.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة هي جد هامة، بيد أنه لا يوجد بلد إفريقي واحد بين الدول الأطراف في هذا البروتوكول، فيما كانت منغوليا البلد الآسيوي الوحيد الذي صادق عليه.  وعشرة فقط  هي الدول التي قامت بالمصادقة على البروتوكول من بين 160 بلداً مؤهلة للقيام بذلك.

وأهنئ بدوري أول 10 بلدان قامت بالمصادقة على البروتوكول، بيد أنه يتعين على باقي الدول ان تحذو حذوها أيضاً.  فمن أجل إعمال حقوق الإنسان بشكل حقيقي، لا بدّ أن يُتاح لجميع من تنتهك حقوقهم الحصول على التعويض الفعال والانتصاف سواء أكانت حقوقهم التي انتُهكت مدنية وسياسية أو اقتصادية واجتماعية وثقافية.  فهذا هو أقل ما يمليه علينا إرث الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الأحد، 10 مارس 2013

نهر الموت في حلب

 

بقلم احمد الكسواني كبير مستشاري منظمةحقوق الدولية

ما انفك نهر قويق في حلب يلقي بجثث الرجال والصبيان الذين قُتلوا برصاصات سُددت من مسافة قريبة جداً على رأس كل واحد منهم.  ولقد قُيدت أيادي البعض منهم وراء أظهرهم، فيما ظهرت على جثث آخرين منهم آثار تعرضهم للتعذيب.

ولقد تلقيت في كل يوم من أيام الأسبوع الماضي تقريباً اتصالات هاتفية في الصباح الباكر لإعلامي بالعثور على المزيد من الجثث في النهر – اثنتان يوم الأحد، وأربع يوم الاثنين، وسبع يوم الثلاثاء، وثلاث أخرى يوم الأربعاء …

وكانت جميع تلك الجثث تطفو في ذات البقعة من النهر تقريباً، وعلى مقربة من منطقة بستان القصر في حلب أكبر المدن السورية الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة، وإن كانت تلك البقعة لا تبعد سوى بضع مئات من الأمتار عن المنطقة التي تسيطر قوات النظام عليها أعلى مجرى النهر.

وتنطوي محاولة انتشال الجثث من النهر عند النقطة الأولى التي تظهر فيها على مخاطرة عظيمة – إذ إنها قريبة جداً من المنطقة الواقعة تحت سيطرة القوات الحكومية، وتقع في مرمى نيران قناصتها.  وعليه، فيُضطر المتطوعون المحليون إلى الانتظار إلى أن تطفو الجثث مسافة 300 مترا أخرى أو نحو ذلك قبل أن يتمكنوا من انتشالها بأمان.

وفي الثالث من مارس الجاري، وصلت إلى المنطقة بالتزامن مع انتشال جثتين من النهر.  ولقد كُتب شيء ما على وجه إحداهما بالحبر الأزرق.  وكان عليّ أن أنظر عن قرب أكثر كون الكتابة لم تكن واضحة إذ تسببت مياه النهر وطميه بمسح جزء منها – حيث كانت الجثة تطفو على وجهها ساعة العثور عليها.

ولقد كُتبت على جبهة الجثة كلمة “الأسد”، فيما ظهرت على الخد الأيسر كلمة “سورية”، ولم يتسنَّ قراءة الكلمات التي كُتبت على الخد الأيمن والعنق.  ويعتقد الحاضرون أن ما كُتب هو كلمة “وبس” لتكمل بذلك العبارة التي يرددها مناصرو النظام بقولهم “الأسد، سورية وبس”.

وكانت تلك الجثة هي جثة أحمد علي صلاح الحموي، وسرعان ما ظهرت جثة ابنه البالغ من العمر 12 عاماً تطفو على وجه الماء في اليوم التالي رفقة ثلاث جثث أخرى.  وحالهما كحال الجثث الأخرى، فلقد ووريتا الثرى على أنهما جثث تعود لمجهولين – إذ لا تتوفر مشرحة في المنطقة، ولا توجد كهرباء في المنطقة على أية حال من أجل تشغيل ثلاجة الموتى في المشرحة إن وُجدت.

وبالمحصلة، فلقد تمكن بعض أقاربهما من التعرف على هوية أحمد وابنه في 5 مارس، وذلك بعد أن توجهوا قاصدين أحد المكاتب الصغيرة التي يحتفظ المتطوعون فيها بصور جميع الجثث التي وُجدت ملقاة في النهر.

وفي كل مرة كنت أزور فيها ذلك المكتب، كنت أعثر على أقارب المفقودين يقلبون مجموعة الصور المؤلمة للجثث، وهي الصور المخزنة على الحاسوب المحمول لأحد المتطوعين.  ومنذ 29 يناير الماضي، أي عُندما عُثر على 82 جثة، فلقد حملت مياه النهر ما يزيد على 60 جثة أخرى إلى ذات النقطة.  ولقد تم التعرف على هوية البعض منها، ولكن ليس جميعها.

ولقد تم التعرف في ذلك اليوم على جثة الفتى عبد المجيد ريم بطش (15 عاماً)، وخاله ماجد النونو (38 عاماً).

ولقد أخبرني أحد أقارب الفتى أن “عبد المجيد كان يقطن مع جدته حيث يعمل والداه في ليبيا”.  وأضاف قريبه قائلاً: “لقد توجه يوم الأحد الماضي برفقة خاله ماجد لتسجيل المولود الجديد الذي رُزق به خاله؛ ولكنهما لم يعودا إلى البيت أبداً، وعُثر على جثتيهما في النهر يوم الثلاثاء.  ولقد بدت على وجه الفتى آثار التعذيب، وقُتل برصاصة في القلب، فيما تلقّى خاله رصاصة في رأسه”.

غادر العامل في سكة الحديد محمد شعبان مصطفى (47 عاماً) منزله الكائن في بستان القصر صبيحة يوم 13 فبراير، وتوجه إلى عمله كالمعتاد في محطة بغداد (الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية).  ولم يرجع إلى المنزل أبداً، ولقد ألقت مياه النهر جثته صباح اليوم التالي، وقد ظهرت آثار جرح كبير في رأسه ناجم عن إصابته بطلق ناري.

والعديد من الضحايا هم من سكان بستان القصر وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وقد اختفوا لدى دخولهم إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة.  وقال لي أفراد العديد من العائلات الذين التقيت بهم أن أقاربهم لم يكونوا منخرطين في أية أنشطة سياسية – وعليه فلقد كانت جريمتهم الوحيدة هي أنهم يقطنون في المناطق التي تسيطر المعارضة عليها.بيد أن ارتكاب مثل هذه الجرائم لا يقتصر على قوات الحكومة وحدها.

وفي منطقة قصر البستان أيضاً سمعت عن محمد عبد الجليل خالد (المعروف باسم “أبو العبد”) والبالغ من العمر 42 عاماً، وأب لطفلين.  وتعرض أبو العبد للاختطاف على أيدي جماعات المعارضة المسلحة الناشطة في المنطقة، حيث لقي حتفه بين أيديهم بعد 10 أيام؛ إذ قام أعضاء من سرية الشهيد نمر العمران التابعة لكتيبة أحفاد الرسول باقتياده من مكتبه أوائل شهر أكتوبر الماضي.

ولقد أنكرت الكتيبة احتجازها لأبي العبد في بادئ الأمر، بيد أنها سمحت لوالديه في نهاية المطاف بزيارته بتاريخ 9 أكتوبر؛ وكان أفراد من الكتيبة حاضرين أثناء الزيارة، ولم يتمكن أبو العبد من الحديث بحرية حينها.

وعلمت أسرته بمقتله يوم السبت، وعندما توجهوا لسؤال أفراد الكتيبة قيل لهم أنه قد دُفن، ولكن دون أن يُفصح عن المكان الذي دُفن فيه.  ولم يعطِ أفراد الكتيبة أي توضيح حول أسباب وفاته.

ولقد سُمح لعائلته بأن تواري جثمانه الثرى بعد أسبوعين.

فعند الساعة السادسة والنصف من صباح أحد الأيام، جاء عناصر من الكتيبة المسلحين بمدفع آلي مضاد للطائرات نُصب على ظهر إحدى مركبات النقل الصغيرة (البيك-أب) وسلموا جثته المغطاة بالطين إلى عائلته.  ولقد اضطُروا إلى مواراته الثرى فوراً، إذ لم يُسمح لهم بإجراء أية ترتيبات للجنازة، أو حتى القيام بتغسيله، والصلاة عليه في المسجد أو تشييعه.

وحتى الساعة، فلمّا تجرِ مقاضاة أي شخص في هذه القضية.  وقام القضاة في إحدى اللجنتين القانونيتين اللتان تقومان بدور المحاكم في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة باستدعاء قائد الكتيبة، الذي حضر وسط مجموعة من المقاتلين المدججين بالسلاح، ويظهر أنه قد نجح بترهيب القضاة كي يلتزموا الصمت.

وثمة حالة أخرى تبعث على الصدمة؛ ففي 2 مارس الجاري، قُتل الناشط الإعلامي الشاب، عبد الله الياسين، الذي سبق له وأن عمل مع العديد من الصحفيين الأجانب كمترجم، أو مسؤول ترتيب لقاءات الصحفيين بشخصيات معينة.  ولقد عثرت على جثته ملقاة أمام أحد المستشفيات ضمن المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة بحلب.  ولقد أُصيب بطلق ناري في الرأس أُطلق عليه من مسافة قريبة.

وقيل أن القاتل المزعوم لعبد الله الياسين هو قائد إحدى جماعات المعارضة المسلحة الكثيرة التي تنشط في مدينة حلب.  ولقد زُعم أنه احتُجز على أيدي كتيبة جبهة النصرة – التي يُعتقد أنها أقوى جماعات قوات المعارضة في المدينة – بيد أنه لما تتكشف المزيد من التفاصيل بعد.

وكلما طال أمد هذا النزاع المسلح، كلما أصبح أكثر تعقيداً، واستقطاباً، وجموداً، وكما هي الحال دوماً، فسوف يظل المدنيون هم الذين يدفعون الثمن ويتحملون وطأة الأوضاع.