الأربعاء، 22 مايو 2013

هل فقدت الدول حماسها إزاء سخونة مناقشة معاهدة تجارة الأسلحة؟

 


بقلم ماري لكساس، المديرة المسؤولة لبرنامج القانون الدولي والسياسات في منظمة العفو الدولية

مع اقتراب نهاية الأسبوع الأول للمفاوضات بشأن معاهدة تجارة الأسلحة المنعقدة في الأمم المتحدة، بنيويورك، ثمة انجماد في جو المدينة لا يمكن أن يعزى فحسب لطقسها العاصف المثقل بالثلوج.

فعلى ما يبدو، بمجرد أن تتاح للدول فرصة حقيقية لان تحدث فارقاً في حياة البشر- بصياغة معاهدة يمكن أن تنقذ الأرواح وتخفف المعاناة، وتتبناها- تشعر بثقل شديد في قدميها.

كما إن مجلس الأمن الدولي، ومنذ نشأته، كان يملك سلطة فرض حظر على تصدير الأسلحة يفترض أن يؤدي- من الناحية النظرية- إلى وقف تدفق الأسلحة على الدول التي تنتهك القانون الإنساني الدولي بصورة منهجية.

ولكن، وكما نعرف، عادة ما تأتي قرارات الحظر- إذا ما فرضت- متأخرة للغاية في معظم الأحيان. ونحن في منظمة حقوق الدولية نسمي هذا أسلوب “حقيبة الجثث” في مقاربة أمر الرقابة على الأسلحة. أي انتظر حتى يقتل ما يكفي من المدنيين، ثم قرر وقف شحن الأسلحة لمن يستهدفون المدنيين.

إن أمام الدول التي تجتمع هنا فرصة لأن تتجاوز أسلوب “حقيبة الجثث” هذا. وبمقدورها أن تتبنى معاهدة تحدد الحالات التي تستخدم فيها الأسلحة لارتكاب أعمال عدائية، أو تحوَّل فيها وجهة الأسلحة كي تصل إلى يدي مستخدم يفتقر إلى المشروعية، وأن تحظر نقل هذا الأسلحة في الوقت المناسب.

ومن هنا، فإننا نقترح معيارين منفصلين لتقييم ما إذا كان ينبغي لأية حكومة نقل الأسلحة والذخائر وما يتصل بها من تقانة إلى دولة أخرى. وأولهما، في حال معرفة هذه الحكومة بأن الأسلحة سوف تستخدم في ارتكاب الانتهاكات، فينبغي عليها حظر إتمام مثل هذه الصفقة. وثانيهما، إذا ما قررت الحكومة بأن هناك احتمالاً لا يمكن تجاهله بأن هذه الأسلحة سوف تستخدم لارتكاب الانتهاكات، وفي مثل هذه الحالة، ينبغي أيضاً عدم المضي في عملية النقل.

وهذا لا يدخل في عداد علم الصواريخ.

ولكن ثمة دولاً مشاركة في المفاوضات ترغب في أن تبقى قرارات الحظر في أضيق نطاق ممكن. فمثلاً تحاجج بعض هذه الدول بأنه ينبغي على الدولة حظر عملية النقل إذا ما كانت معنية بأن لا تستخدم هذه الأسلحة في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، أو جرائم ضد الإنسانية، أو عدد محدود من جرائم الحرب.

وبعبارة أخرى، ليس ثمة مشكلة، بالنسبة لهذه الدول، في أن تصل هذه الأسلحة إلى أيدي الجناة، إذا ما عرفت بأن الأسلحة سوف تستخدم لارتكاب بعض جرائم الحرب أو انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

وبذا يصبح السؤال: كم من المدنيين يجب أن يقتل قبل أن تتوقف عن تزويد شخص أظهر لك سلفاً ازدراءه للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان؟ وأية جرائم حرب “خطيرة بما يكفي”؟ فأحد الاقتراحات التي يسربها البعض يمكن قراءاتها على نحو يستثني من الحظر جرائم الحرب المتعلقة بالعنف الجنسي.

كنا نعلم عندما وصلنا إلى نيويورك بأن ثمة دولاً معنية بحماية سلطتها الاقتصادية والسياسية التي تمارسها كدول مزودة بالسلاح. وكنا نعلم أيضاً أنه ينبغي صياغة المعاهدة على نحو يكفل لجميع الدول التي تبيع السلاح أن تلعب في ملعب خال من النتوءات ومتكافئ. فليس ثمة حكومة ترغب في أن تفعل الأمر الصحيح وتوقف عمليات نقل الأسلحة إلى حكومة تسيء استعمالها لترى حكومة أخرى تدخل على الخط وتسلبها صفقة أسلحتها.

ولكن لا يمكن استخدام المصلحة الاقتصادية والسياسية لتبرير إرسال الأسلحة إلى بلد تعرف أن حكومته وقواته الأمنية سوف تستخدمها لارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

ومجدداً، الأمر لا يتعلق بعلم الصواريخ. ويتعين على الدول التوقف عن عد النقود، والبدء في عد الأرواح التي يمكن إنقاذها. ومن غير الجائز أن يأتي الربيع متأخراً هذه السنة.

الأحد، 12 مايو 2013

يحدوني الأمل في أن أُولد من جديد بعيداً عن هذا المكان

 

الناشط السوري بسام أحمد الأحمد يتذكر الوقت الذي قضاه معتقلاً مع صديقه الدكتور أيهم مصطفى غزول، الذي أُبلغت عائلته مؤخراً بوفاته في حجز قوات الأمن السورية في نوفمبر/تشرين الثاني. وكان الرجلان من بين 14 شخصاً اعتُقلوا في مداهمة للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير في 16 فبراير/شباط 2012.

ماذا عسى أن أقول عن أيهم أكثر من أنه كان إنساناً قبل كل شيء؟

ولعل أشد ما أثار إعجابي به هو أنه كان مضحياً بالنفس، وكان يؤمن من أعماقه بأن كل شخص يجب أن يمنح أغلى ما لديه لهذه الثورة – عمله، أو دراسته، أو حتى أحباءه أو أفراد عائلته.

كان إنساناً مسالماً يقول باستمرار: لا تحملْ سلاحاً، بل إذهب إلى التظاهر السلمي، وإذا متَّ، فإنك ستموت شهيداً.”

عندما قبضوا علينا في فبراير/شباط الماضي وأحضرونا إلى المخابرات الجوية، كنا جميعاً نخشى النـزول من الحافلة.

نادوا على مازن درويش، مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير.

وبعد نزوله طلبوا من شخص آخر أن ينـزل، فتطوَّع أيهم. صُدمت وتساءلتُ في نفسي: “كيف يكون ذلك ممكناً؟ كيف؟ ألا يخاف هذا الرجل من شيء؟”

كان مرحاً أثناء فترة السجن، يأتي إلينا دائماً ويخفف من همومنا. لقد لعب دور الطبيب الذي يرعانا ويهتم بشؤوننا ويشخِّص أمراضنا ويرشدنا إلى بكيفية التعامل معها.

كان طبيب مركز الاعتقال في الفرع الرابع غبياً، ولذا كان يعطي أيهم دواء كي يعطيه لمرضى القلب بانتظام.

وتعرَّض أيهم إلى أقسى أشكال إساءة المعاملة والضرب في الفرع الرابع، لماذا؟

أولاً، لأنه كان طبيباً، وكانوا يكرهون رؤية أحد أكثر معرفةً منهم. وثانياً، لأنه كان من دير عطية، فكان الرجل الذي يتولى ضربنا يقول: “دير عطية أجمل منطقة في سورية، فلماذا يحتجون؟” وكان أيهم يرد عليه قائلاً: “ولكن تهمتي ليست الاحتجاج”، فيعود الرجل لضربنا.

وكان أيهم يناكفنا بالقول إن زميلينا المعتقليْن هاني [الزياتي] ومنصور [العمري] سيغادران قبلي، وسأظل في الحجز لمدة خمسة أشهر أخرى، وسأصرخ أكثر.

بعد مرور 33 يوماً على حبسنا في الفرع الرابع و33 يوماً أخرى على احتجازنا في مركز الاعتقال التابع للمخابرات الجوية، جاء المساعد ونادى على أيهم مصطفى غزول. ومع أنني كنت متعباً للغاية عندما سمعت اسم أيهم، فقد رنَّ في أذني وأمدَّني بالأمل في أن أُولد من جديد بعيداً عن هذا المكان.

ثم نادوا على معتقل آخر، وهو جوان فرسو. فبدأت فوراً بحزم ملابسي، لأن الله أرسل إلى روحي علامة تقول: يا بسام سينادون عليك بعده.

وقد فعلوا بالتأكيد.

ولذلك، عندما نادوا على اسم صديقي أيهم مصطفى غزول، جعلني ذلك أشعر بأنني أُولد من جديد، وأعطاني إحساساً بأنني ذاهب نحو حياة جديدة.

بعد إطلاق سراح أيهم مصطفى غزول أعيد اعتقاله وتوفي في السجن.

الأربعاء، 8 مايو 2013

ما عاد بوسع الحكومات التهرب من مسؤوليتها القاضية بحماية حقوق الإنسان كافة

 


لفكرة جدُّ بسيطة: يُولد جميع الناس أحراراً، وهم متساوون في الكرامة والحقوق.  وما من استثناءات البتة على هذا الصعيد.  ولكن، وبعد مضي 65 عاماً على ولادة حركة حقوق الإنسان في العصر الحديث من رماد الحرب العالمية الثانية، أصبح يُنظر إلى بعض الحقوق على أنها أكثر أهمية وحيوية من غيرها.

فلقد أُعطيت الأولوية للحقوق المدنية والسياسية على حساب نظيراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  ولقد تجاهلت الحكومات الالتزامات المترتبة عليها في مجال نشر الحق في الحصول على التعليم والصحة والإسكان الغذاء والأجور المعيشية.

ولطالما ذهبت الوعود العديدة المتعلقة بتوفير مساعدات خارجية أدراج الرياح.  وتدفع حكومات الدول بحجة نقص الموارد كسبب تسوقه لتبرير عدم الوفاء بتلك الوعود، وتزعم أنها غير مسؤولة.  وبذلك، فلقد سمحت بأن تُلقى مسؤولية مساعدة الذين يرزحون تحت وطأة الفقر على عاتق المؤسسات الخيرية، فيما مضت تلك الحكومات في طريقها نحو الاستثمار في المساعدات العسكرية.

وفي الفقر، فلا يوجد ما يمكن الزعم بحتمية الأمور وأنه لا مفر منها، ولا يقتصر تباين مستويات الدخل وتفاوتها على مجرد أرقام بحتة.  بل إن ذلك نتاج للقوانين والسياسات والممارسات التي تنتهجها الحكومات؛ وهي بالتالي مؤشر لمدى التزام الدولة من عدمه بنشر المساواة.  وأما الجهات التي ترفض مبدأ المساواة، فإنها تقوم بذلك مع علمها بأنها تجعل حياة الأفراد عرضة للخطر.

وثمة أعداد كبيرة من الناس في هذا العالم ممن يُحرمون من حقهم في الحصول على السكن الملائم والماء والطعام والصرف الصحي والصحة والعمل والتعليم جراء غياب الإرادة السياسية، وليس غياب الموارد.  وتقضي امرأة أو فتاة واحدة نحبها كل 90 ثانية جراء مضاعفات الحمل – وهي مضاعفات يمكن معالجتها بالمناسبة.  ويتسبب غياب الاستثمار في خدمات الرعاية الصحية، وتجذر التوجهات والمواقف التمييزية ضد المرأة في وفاة عدد لا يُحصى من النساء – وهن اللواتي كان بالإمكان إنقاذ أرواحهن.

وينتقل آلاف الأشخاص يومياً للعيش في العشوائيات لانعدام الخيارات الأخرى أمامهم.  وفي بعض الحالات، فلقد أُخلي هؤلاء من أراضيهم قسراً.  وفي حالات أخرى، أدى تقاعس الحكومة عن التصدي للتدهور البيئي في مناطقهم إلى اضطرارهم للرحيل عنها للبقاء على قيد الحياة.  ومع الاتجاهات العامة الحالية، فمن المتوقع أن يصل عدد سكان العشوائيات إلى مليار وأربعمائة مليون نسمة بحلول العام 2020.

ويستحيل على الفقراء من الناس أن يحظوا بمعاملة على قدر من المساواة مع غيرهم أمام القانون، كما يصعب على المرضى المحرومين من إمكانية النفاذ إلى خدمات الرعاية الصحية والحصول عليها المشاركة بشكل نشط في المجتمع.  ومع ذلك، وعلى الرغم مما يعانونه من إهمال، تظل حقوقهم مكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وهو صك صادر عن الأمم المتحدة صادقت عليه أكثر من 160 دولة، ويتمتع بذات الصفة التي تتمتع بها صكوك القانون الدولي المعنية بحقوق الإنسان الأخرى – من قبيل الحق في الحصول على محاكمة عادلة، والحق في حرية الكلام والرأي.

وبوسع منظمة حقوق الدولية الإشارة إلى أمثلة عديدة تقوم الحكومات فيها بمخالفة صكوك القانون الدولي التي تحمي هذه الحقوق، وذلك من قبيل ما حصل في نيجيريا، حيث قررت السلطات المحلية في مدينة بورت هاركورت بتاريخ 28 أغسطس 2009 تجاهل الأمر الصادر عن المحكمة، وبادرت إلى إزالة إحدى المستوطنات المقامة على واجهة مائية، ليجد أكثر من 13000 شخصاً أنفسهم مشردين؛ ولعلنا نجد مثالاً آخر في سلوفينيا حيث تقطن العديد من عائلات طائفة الروما في مستوطنات عشوائية، ويُحرمون من الحصول على خدمات المياه والصرف الصحي.  وقائمة الانتهاكات هذه تطول متنوعةً ما بين عزل أطفال الطائفة عن أقرانهم في المدارس الأوروبية، وعدم حصول النساء على خدمات الصحة الإنجابية في إفريقيا والأمريكيتين.

ويُعد النفاذ إلى نظام العدالة والحصول على تعويض فعال أمران جوهريان بالنسبة لضحايا جميع انتهاكات حقوق الإنسان؛ وثمة أمل جديد يلوح في الأفق لضحايا تلك الانتهاكات.  ففي الخامس من مايو، دخل البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيز التنفيذ.

فلقد قبلت عشرة بلدان – من الإكوادور والأرجنتين، إلى إسبانيا والبرتغال – الآلية الجديدة، وهو ما يجعل من الممكن للأفراد والجماعات السعي وراء تحقيق العدالة من خلال الأمم المتحدة في حال تعرض حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للانتهاك، وفي حال لم تكن التعويضات الفعالة متاحة في بلدانهم.

وبعد مضي ما يقرب من 40 عاماً على دخول البروتوكول الاختياري المشابه الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيز التنفيذ، فلقد تمكنّا أخيراً من تحقيق المساواة بين الصكين الدوليين، ونجحنا في إضفاء معنىً حقيقي على مبدأ عدم قابلية جميع الحقوق للتجزئة وترابطها مع بعضها البعض، وذلك كما نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عليه.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة هي جد هامة، بيد أنه لا يوجد بلد إفريقي واحد بين الدول الأطراف في هذا البروتوكول، فيما كانت منغوليا البلد الآسيوي الوحيد الذي صادق عليه.  وعشرة فقط  هي الدول التي قامت بالمصادقة على البروتوكول من بين 160 بلداً مؤهلة للقيام بذلك.

وأهنئ بدوري أول 10 بلدان قامت بالمصادقة على البروتوكول، بيد أنه يتعين على باقي الدول ان تحذو حذوها أيضاً.  فمن أجل إعمال حقوق الإنسان بشكل حقيقي، لا بدّ أن يُتاح لجميع من تنتهك حقوقهم الحصول على التعويض الفعال والانتصاف سواء أكانت حقوقهم التي انتُهكت مدنية وسياسية أو اقتصادية واجتماعية وثقافية.  فهذا هو أقل ما يمليه علينا إرث الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.